الشنقيطي

132

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

يأمره بالإعادة » « 1 » اه . وقال ابن حجر في الفتح « 2 » : أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة . والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري . ولفظه : « بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر : القبر القبر ! فظن أنه يعني القمر ؛ فلما رأ أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى » وله طرق أخر بينتها في تعليق التعليق ؛ منها من طريق حميد عن أنس نحوه ، زاد فيه : فقال بعض من يليني إنما يعني القبر فتنحيت عنه . وقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير . وقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة . ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه . قال مقيده عفا اللّه عنه : هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة ، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن ، وإن لم يمكن وجب الترجيح ، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معا . أما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت وليس فيها ركوع ولا سجود ، وإنما هي دعاء للميت فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور . ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود . ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر . نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم « لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها » « 3 » فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة ، فيشمل الصلاة على الميت ، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس . أما الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة . والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل على الجواز ، وللمخالف أن يقول : لا يتعارض عام وخاص . فحديث « لا تصلوا إلى القبور » عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت . والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة والخاص يقضى به على العام . فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية : منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقا للعنه صلى اللّه عليه وسلم لمتخذي القبور مساجد ، وغير ذلك من الأدلة - وأن الصلاة على قبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع والسجود تصح لفعله صلى اللّه عليه وسلم الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة وابن عباس وأنس ويومىء لهذا الجمع حديث لعن متخذي القبور مساجد لأنها أماكن السجود . وصلاة الجنازة لا سجود فيها ؛ فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود . تنبيه اعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده : من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور

--> ( 1 ) كتاب الصلاة . ( 2 ) فتح الباري ، كتاب الصلاة 1 / 524 . ( 3 ) سبق تخريجه .